داوود….القصيدة فِي أوْجِ العاصفة! / مولاي اعلي الحسن

10 سبتمبر,2017

(الكلام مش مستجيب..

والصمت عار..

والمسافة بعيدة..بين الفعل والقول البليدْ

………………

نسكتوا ولا نحاول؟!!!

لأ..

نحاول..)

 

الأبنودي

————————–

يَا طالمَا جُوبِهَ الكلامُ على الكوارث (في شتى صيغه فنيةً وغير فنّية) برأيٍ مُخاصِمٍ (في شكل كلامٍ آخر!) ينتصرُ للفعل وحده، ويهمّشُ القوْل الذي يتوسّله في الآن نفسِه سبيلا للإفصاح عن ذاتِه!

آدابٌ وفنونٌ وفلسفاتٌ بأكملها تقفُ في وجْه دعوى “عجز الكلام” ولا جدواه!

وفي المحصّلة يموتُ الناس جميعا ويذهبون أدراج الفناء فُرادى وجماعات، ولكن يبقى كلامهم، في السالف كان يبقى موروثًا على ألسنة آخرين يُورثونه لأحياء من بعدهم…؛ ثم صار يمكث كتابةً….والآن ـ بفضل التكنولوجيا ـ صار كلام النّاس “يحيا” من بعد موتهم صوتًا وصورة؛ قطعةً ناطقةً من الحياة لا يشوبها أيّ موْت!

 

من هذا التقديم أخلُصُ إلى……

 

داوود أحمد التجاني جا

 

هذا الممسوسُ بالضّاد؛ هذا الآتِي من جهةِ الضّوْء، مجازاتٍ مفتوحةَ الحواسّ والمخيال على احتمالات لم تبْلُها القصيدة الموريتانية من قبْل، هذا الحلاّجي الذي لَم “يُصْلَبْ” ولكن…

 

“تقمّص(ه) حلولٌ…..واتّحَادُ”

 

داوود الذي عُلِّمَ منطقَ ربّاتِ الشعر ومُلهميه، ها هو الآن يهطلُ قصيدةً جديدةً في وداع الذين/اللواتي أخذتهم العاصفة في الموْت…واقتادتهم صوْب الناصية الأخرى من الوجود!

قرونٌ خَلَتْ والقصيدة الفُصحى في هذه الأرض، مَشْدُودة إلى التقليد والاغتراب بأكثر من وثاق: غريبةٌ عن لغة وعيها اليومي؛ غريبةٌ عن مكانِها وزمانِها بتحوّلاتهما؛ غريبةٌ عن الواقعيّ الآنِي؛ وأسيرةُ تقليد وتكرارٍ دائخيْن في دائرةٍ مغلقة…ولم تعد مأهولة!

وخرجت وتخرج عن السّرب قصائد وتجارب قليلٌ ما هي، ولا تسلم من الطّعن في “شرعيتها” الشعرية من لدن حرّاس الماضي!

داوود ـ في هذه وفي سواها ـ يجنحُ بعيدًا عن الدروب المطروقة، ويجترح الطريق بخطاه. نصُّه الجديد ليس نسخةً مكرورةً من الأسلوب المعهود في الرثاء؛ فهو “يفلسفُ” الكارثة، ويستدعي المخيال في مواجهة العاصفة، ولا يخلص في محصلة النص إلى أملٍ مكذوبٍ، ف

“الرّيحُ توشكُ أنْ تعُودْ”!

ولكنّ ملمحًا آخرَ في النصّ يبدو أكثر لفتا للانتباه؛ فقصيدة داوود لم تكتفِ بامتحان الرياح بالشعر؛ بل سرقت من الرياح “عصفها”!

البنية الإيقاعية للنصّ هي بنيةُ التردّد والتشظّي (المراوحة بين العمودي المنتظم؛ فالحرّ المشتّت؛ فالعمودي المنتظم بنفسٍ أقصرَ؛ فالعمودي المجزوء!)، فِي ما يشبه “معادلا شعريًا” للواقعة على الأرض، وتخريبها البيوتَ وتشريدها النّاس!

 

أوووه! يكفي!

ادخلوا بأنفسكم في رحاب قصيدة الشاعر داوود:

 

قال قلبي وهو يذوي في الحنايا

كيف زُفت للأعاصير الصبايا؟

كم صبيٍّ نام يحكي عن “سياكا”

كيف ماتت في فم الطفل الحكايا؟

كم تشظت  خلف تلٍّ ما غصونٌ

يافعاتٌ…تعشق الريحُ الشظايا

ذا عريشٌ كان “بابا” فيه يروي

عن زليخا..عن فتاها…عن رؤايا

قال بابا: في المداءاتٍ ارتباكٌ

“كان يدري أنه صوتُ المنايا”

ليس للظّل انعكاسٌ..ياصغيري

فالليالي موغلاتٌ في المرايا

موغلاتٌ فيك حتى شبتَ دمعا

والزوايا موغلاتٌ في الزوايا

لالشيء إنما الموتُ ارتجاجٌ

ياصغيري…يألف الموتُ البرايا

///

لاشيء يكبر في التلال سوى الرياحٔ

وحكايةٌ الكون الوديع خرافةٌ بدويةٌ

كانت ترفِّه عن عجائز حينا

أوَ أنت تذكرُ كيفَ كانت أختك البكرُ الصغيرة

تلمح الأفق البعيد فتنحني خجلا وتوشكُ أن تميدْ؟

كانت تقدس ماتراه فترعوي

وتؤوب للمولى ترتل آية الكرسي.. تمعن في الدعاءْ

//

أترى العريشَ مبعثرا ياصاحبي

هذا أخي تحت الركام وذا أبي

هذي ألا عيبي… وسبحة جدتي

نحن افترقنا ذات يوم شاحبِ

//

الطقس لوح للغيابْ

فاجمع متاعك يابنيّْ

واسكب رؤاك تعلةً

الريح توشك أن تعودْ

بوكى8/سبتمبر2017م                       

Facebook Comments
%d مدونون معجبون بهذه: